المقريزي
626
إمتاع الأسماع
أزعجه ، كيف نهض في مثل هذه المحربة ؟ فما انتصف النهار في ذلك اليوم حتى أرسل الله تعالى ريحا كادت الأرض تزلزل من فوقها ، حتى خرجت الإبل بأثقالها ، والخيل بسروجها ، كما تدحرج الكرة على وجه الأرض ، وهلك أكثرها ، وحلق بالناس ، فانشرح صدر أبي الفتوح ، وذهب روعه من الحاكم لقيام عدد من امتناع ما جاء فيه . وقال المحب الطبري في كتاب ( الرياض النضرة في فضائل العشرة ) - رضي الله تبارك وتعالى عنهم - : أخبرني هارون بن الشيخ عمر بن الراغب قال : كنت مجاورا بالمدينة وشيخ الخام إذ ذاك شمس الدين صواب الملطي ، وكان رجلا صالحا كثير البر بالفقراء ، فقال لي يوما : ما أخبرك بعجبه : كان لي صاحب يجلس عند الأمير ويأتيني من خبره بما يمس حاجتي إليه ، فبينا أنا ذات يوم إذ جاءني فقال : أمر عظيم حدث اليوم ، قال : قلت : وما هو ؟ قال : جاء قوم من أهل حلب وبذلوا للأمير كثيرا وسألوه أن يمكنهم من فتح الحجرة ( النبوية ) وإخراج أبي بكر وعمر - رضي الله تبارك وتعالى عنهما - منها ، فأجابهم إلى ذلك ، قال : فاهتممت لذلك هما ، ولم ألبث أن جاء رسول الأمير يدعوني إليه فأجبته ، فقال لي : يدق عليك الليلة أقوام المسجد ، فافتح لهم ، ومكنهم مما أرادوا ولا تعارضهم ، ولا تعترض عليهم ، فقلت سمعا وطاعة ، وخرجت ولم ( أر النوم ) اجتمع ( وجلست ) خلف الحجرة أبكي لا ترقأ لي دمعة ، ولا يشعر أحد بما بي ، حتى إذا صليت العشاء الآخرة ، وخرج الناس من المسجد وغلقنا الأبواب ، فلم أنشب أن دق الباب الذي حدا باب الأمير ، ففتحت الباب ، فدخل أربعون رجلا أعدهم واحدا بعد واحد ، ومعهم المساحي ، والمكاتل ، والشموع ، ( وأرادوا ) الهدم ، وقصدوا الحجرة . قال : فوالله ما وصلوا المنبر حتى ابتلعتهم الأرض جميعهم ، ما كان بينهم من آلات وغير ذلك ، ولم يبق لهم أثر ، قال : فاستبطأ الأمير خبرهم ، فدعاني وقال : ألم يأتك القوم ؟ قلت : بلى ، ولكن اتفق لهم ما هو كيت وكيت ، فقال : انظر ما تقول ، قلت : لا هو ذلك ، قلت : وانظر هل ترى فيهم باقية أو لهم أثر ، فقال لي : هذا موضع الحديث ، إن ظهر عنك كان يقطع رأسك . ثم خرجت عنه . انتهى وقال الحافظ جمال الدين أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر أحمد بن خلف ابن عيسى المرقى الخزرجي الدميني في ( تاريخ المدينة ) : وصل السلطان الملك